آلام وامال

حين امتلأت الأسواق… وبقيت الجيوب فارغة

سوء التغذية بين أطفال شمال غزة: أزمة إنسانية تتجاوز وفرة السلع إلى عجز القدرة الشرائية

 

شهدت مناطق شمال غزة في الآونة الأخيرة تحسناً نسبياً في توفر بعض السلع الأساسية، مع دخول شحنات جديدة من المواد الغذائية وتراجع ملحوظ في أسعار عدد من المنتجات، بما في ذلك حليب الأطفال وبعض المواد التموينية. هذا التطور أعاد قدراً من الحركة إلى الأسواق بعد فترات طويلة من الندرة والارتفاع الحاد في الأسعار.

غير أن هذا التحسن في العرض لم ينعكس بالضرورة على واقع الأسر، خصوصاً الأكثر هشاشة. فالأزمة لم تعد مقتصرة على نقص السلع، بل انتقلت إلى أزمة سيولة نقدية خانقة. آلاف العائلات باتت تفتقر إلى الأموال اللازمة لشراء احتياجاتها الأساسية، حتى مع انخفاض الأسعار وتوفر المنتجات على الرفوف.

في هذا السياق، تبرز معاناة الأطفال الرضع بشكل خاص. فرغم توفر حليب الأطفال بكميات أفضل من السابق، إلا أن قدرة الأسر على شرائه ما زالت محدودة نتيجة توقف مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى صعوبات الوصول إلى النقد سواء عبر البنوك أو آليات الصرف المتاحة.

إن سوء التغذية في شمال غزة لم يعد مرتبطاً فقط بغياب المواد الغذائية، بل بتآكل القدرة الشرائية وانعدام الدخل المنتظم. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية، تضطر بعض الأسر إلى تقليص عدد الوجبات اليومية أو الاعتماد على أغذية أقل قيمة غذائية، ما يعرّض الأطفال لمخاطر صحية متزايدة، خاصة في مراحل النمو الحرجة.

الاستجابة الفعالة في هذه المرحلة تتطلب مقاربة مزدوجة: ضمان استمرار تدفق السلع الغذائية وتثبيت الأسعار، بالتوازي مع تعزيز برامج الدعم النقدي المباشر للأسر، وتسهيل وصول المواطنين إلى أموالهم، وتفعيل شبكات الحماية الاجتماعية. فتوفر السلع دون قدرة على شرائها يكرّس فجوة إنسانية جديدة، عنوانها “الغذاء موجود… لكن بعيد المنال”.

إن معالجة أزمة سوء التغذية بين الأطفال في شمال غزة تقتضي النظر إلى الجوع بوصفه نتاجاً مركباً لعوامل اقتصادية وإنسانية معقدة. فحين تتوافر البضاعة وتنخفض الأسعار، لكن تغيب النقود من أيدي الناس، يبقى الخطر قائماً، وتبقى الطفولة مهددة في أبسط حقوقها: الحق في الغذاء والحياة الكريمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى